المقريزي
105
المقفى الكبير
وتوفّي بدمشق في شوّال سنة إحدى وثلاثمائة . وقيل : مات في سنة اثنتين وثلاثمائة . ولمّا كان على قضاء دمشق عرض على القاضي أبي عبيد بن حرب سجلّه وسأل إمضاءه . فقال : ما صحّ عندي أنّه كان له عهد ولي به . فأمسك الشهود إلّا علّان بن سليمان ، فإنّه قال - وكان جريئا : قد كان قرأ علينا عهدا يشبه عهد القاضي ، واللّه [ 87 أ ] أعلم بصحّة عهده وعهدك . وقال الحسن بن القاسم بن دحيم الدمشقيّ : ولد للقاضي أبي زرعة ولد فسمّاه الحسين وكنّاه أبا عبد اللّه ، ثمّ ولد له ولد آخر فسمّاه الحسن وكنّاه أبا محمّد . فسمعت أبا زرعة وهو يفتخر بهذا ويتبجّح ( قال ) فكتبت رقعة ودفعتها إليه ، أقول فيها : سمّى القاضي ابنيه الحسن والحسين وكنّاهما بكناهما ، ولو عقّ عنهما معاوية وعمرا ما كان إلّا ناصبيّا « 1 » . وكان مهد ولده الحسين إلى جانب قمطره ، والشهود حوله . فإذا تحرّك صاح بالداية : الحقي حسينا ! - فتأتي ترضعه وهو ينظر إليه . وكان أبو زرعة يرقي من وجع الضرس ويقرأ عليه ، ويدفع إلى صاحبه حشيشة توضع عليه فيسكن ، ويستغني طالب الحشيشة بدخول داره عن الحشيشة وتهدأ ضرسه بدخول الدار ، ويكون أخذه الحشيشة فضلا . وكان له سنّور يمسحه وهو ينظر إلى الحضور . وحصل لأبي زنبور أحمد بن الحسين الماذرائيّ ألم بضرسه فدخل على أبي زرعة ليرقيه . فوضع رأسه في حجره وقال : تدع شيئا حتى أرقيك ولا يعود إليك الألم . قال : أيش الذي ترى ؟ قال : تدع الكذب ! فقال أبو زنبور : سبحان اللّه ، أيّد اللّه القاضي ! قال : الذي عندي قد قلته . قال : [ أفعل . فرقاه . فلمّا فرغ قال له : سكن الوجع ؟ قال : لا . قال : سبحان اللّه . فقال ] أبو زنبور : القاضي قال لي : أدع الكذب ، فكرهت أن أكذب . فخجل أبو زرعة وقال : اللّه المستعان . وزوّج أبو زرعة ابنه الحسين من ابنة أبي زنبور ، فكان إملاكا عظيما . وذلك أنّ أبا زنبور كتب أسامي مائة نفس في درج ووعدهم بأن يكونوا عنده قبل صلاة الصبح ، فجاء المائة ، وخرج إليهم مائة غلام بمائة مدخنة ومائة نضّاح ماء ورد ومائة قدح غالية ومائة مرآة ومائة مشط . ثمّ قرئ الكتاب وعقد النكاح . وخرج مائة غلام بمائة طشت ومائة إبريق ومائة منديل ، وغسلوا عشر موائد ، فجلس كلّ عشرة على مائدة ، فأكلوا . ثمّ خرج مائة غلام بمائة طشت ومائة إبريق ومائة مجمع ومائة منديل فغسلوا أيديهم . ثمّ خرج مائة غلام بمائة مدخنة ومائة درج ومائة نضّاح ماء ورد [ 87 ب ] ومائة منديل ومائة مرآة ، لا أدري أهي الأولى أم غيرها ، فتبخّروا . وأخرجت مائة صينيّة فيها التماثيل وتماثيل الندّ والعنبر فألقيت في أكمام الناس . وأخذ العروس وأبوه أبو زرعة فأدخلا حجرة وخلع عليهما وبخّرا وحملا على دابّتين شاكريّ [ ت ] ين . وكان العرس أعظم من الإملاك .
--> ( 1 ) عند الكنديّ 521 : كان يرمى بالنصب ( أي بعداء الشيعة ) وقال الصفديّ : وهو من موالي بني أميّة . فهذا الحكم لا يتماشى مع تقرّبه إلى الشيعة باختيار اسم السبطين لولديه وكنيتهما وافتخاره بذلك . ويزداد الغموض بعسر قراءة لو عقّ عنهما وقد قرأها ناشر الكندي : ولو عتق ؟ ثمّ إنّ العقوق لا يتعدّى بعن . فيكون فهمنا لهذه الملحة / اللغز : فحتّى لو عقّ عنهما - أي أبعد - خصمي عليّ ، معاوية وعمرو بن العاص لم يخلص من تهمة النصب ويبقى عدوّا للشيعة .